Think Tank

الحكمة رأس العلوم والأدب والفنون، هي تلقيح الأفهام ونتائج الأذهان

روح المعاني ~ البيان


كان حديثنا في المقال السابق محاولة لدراسة حقيقة اللفظ وعُمق المعاني، تعرفنا سويا على مركزية المعنى وأهمية اللفظ، أدركنا أن الألفاظ وإن ترادفت في الظاهر هي في جوهرها مختلفة بشخصيتها واشتقاق معناها. وتعرفنا أكثر على قوة البيان في اللغة وعمق أثره وتأثيره في النفس، بقدرته على ايقاظ المعاني الثواني الدفينة خلف تجارب الحياة وتسامي الروح، إلا أننا وفي بحثنا عن البيان حاولنا فهم عجزنا عنه، هل هو مجرد عوز لغزارة الألفاظ ودلالاتها؟ هل هو جهل بقواعد البيان؟ هل هو جهل بقواعد اللغة؟ هل هو فقط عدم مخالطة أدبيات اللغة العربية وبالتالي عدم تلقي الذوق البياني فيها؟ رُبما! لكنني وكما كنت أبحث عن جوهر الألفاظ ومصدرها وهي المعاني، سوف أحاول البدء بالبحث عن جوهر البيان ولُبابه.

 

لكن قبل البحث عن جوهر البيان، لماذا هذا الإهتمام بالبيان؟ هل هذا درس في اللغة العربية؟ وماعلاقة البيان بالإنسان والقرآن؟

تستفتح عروس القرآن، سورة الرحمن، بثلاث قضايا رئيسية، تعليم القرآن و خلق الإنسان و تعليم الإنسان البيان! فما علاقة هذه الثلاثة ببعضها خصوصا استخدام لفظ “علّم” مع القرآن والبيان؟ نحن نعلم أن القرآن نزل للإنسان بالآيات المُبينة الحكيمة لإرشاد و استقامة حياة الإنسان في الأرض طريقا له إلى السماء، وكما يردد القرآن دائما هو “الكتاب المُبين”! في الغالب لو تتبعت افتتاحية سور القرآن ستجد هذه القضية تتكرر مرة تلو مرة إن لم تكن بنفس اللفظ “مُبين” ستكون بنفس المعنى العام، ربما يكون لهذا اتصالا مباشرا من أن هذا القرآن أُنزل للإنسان وهذا الإنسان مخصوص بالبيان! بمعنى آخر أن القرآن ومزيته “البيان” جاءت لتتوافق مع نفس مزية الإنسان “البيان” وبالتالي لا يكون هذا القرآن مؤثرا بآياته البينة المُبينة إن كان الإنسان قد فقد مزيته الحقيقية بين الخلائق .. البيان! ببساطة أكثر، إذا فقدت البيان فقد فقدت صلتك بالقرآن وعندها تكون قد فقدت صلتك برب الأكوان.

 لا تقلق .. من رحمة الله أنه ربط تعليم القرآن باسمه المتفرد والخاص، مطلق رحمة الخالق لخلقه وعباده “الرحمن”! في الحقيقة سياق الآيات و سبق صفة الرحمن يجعل من قضية قابلية تعليم القرآن والبيان قضية فطرية لدى الإنسان، وآيات سورة الرحمن هي آيات تدبير الخالق ونعمائه، وسننه الكونية، وكما يشير المفسر ابن عاشور في تفسير آية (علمه البيان) أنها إشارة لقصة آدم كذلك التي تأملناها سويا في مقال الخليفة وعلاقة آدم بقضية تعليم الأسماء (الألفاظ ومنها المعاني = البيان) ومزيته بين الخلائق ودلالة مفاهيمها على ملَكَة العقل (أنصح بقراءة المقال السابق حتى تكتمل الصورة)

ما أقصده أن بيان الإنسان الذي يتحدث عنه القرآن، يختلف في عمقه وعمومه عن البيان الذي تتحدث عنه قواعد اللغة العربية بتعقيداتها، وإن كان بينهما ترابط وثيق. البيان في هذه الآيات كما أراه، هو الوجود الإنساني المُعبر، هو الوجود الفطري الوجداني، إن رسائل القرآن وآياته المُبينة لم تأتي قاصدةً إعجاز المنطق اللغوي الأدبي، بل جاءت لتستنهض القلب العاقل، وهناك يكمن سر البيان القرآني، كل المشكلة أننا في معمعة هذه الحياة بدأنا نفقد مع مدركاتنا اللغوية معنى الإنسان العاقل المتفكر الذي يخاطبه القرآن فينا، وتهنا بذلك عن الوصول لأبواب السماء عبر الكتاب المنظور والكتاب المسطور .. البحث عن البيان هو البحث عن الإنسان.



الإنسان كائن متعادل مادِّيّاً وروحيّاً، وهذا سر حياته. توفيق الحكيم

 لعدة سنوات درس البروفيسور و عالم الآثار ستيف مايثن الأدوات التي استخدمها البشر الأوائل، محاولًا الوصول إلى نظرة ثاقبة في كيفية عمل عقولهم وفقا للمراحل الزمنية، ويبدو على حد قوله أن البشر الأوائل (إنسان نيندرتال - 350 ألف سنة ق.م) كانوا ضعيفي الخيال بغرابة لتكرار صناعة نفس أدوات الحجارة لمئات السنين، وهو بالأحرى سلوك غريب وشاذ بالنظر إليه من منظور الإنسان اليوم، لأننا نعتقد أن القدرة على صناعة أدوات تتطلب إتقانا ودقة عالية، يسير جنبا إلى جنب مع القدرة على اختراع أنواع جديدة من الأدوات وعلى الإبتكار ومواصلة تطوير التحسينات التقنية.

يعتقد ستيف أن نفس هذه الرؤية الضيقة التي منعت البشر الأوائل من صناعة الآلات ربما تكون أيضا قيدت قدراتهم اللغوية! فيقول: أنا أظن على نحو ما أنه كان للبشر الأوائل كلمات مثل كلمة وردة واتوقع بأنه كان لديهم كلمات لأطفالهم كذلك، لكني لا أعتقد أبدا أن الإنسان البدائي يمكن أن يُظهر تعبير مثل ابنتي جميلة كالوردة! وهي إشارة إلى القدرة البيانية في التعبير عند الإنسان الحديث، بمعنى أنه ومن خلال هذا التصور الإنسان القديم كان حيوان كأي حيوان آخر حبيس نمط سلوكي واحد لم يتغير لمئات السنين في صناعة الأدوات رغم تفوقه على أقرانه من الحيوانات.

ولكن فجأة مع وصول الإنسان الحديث ظهرت أنواع جديدة من الأدوات! للمرة الأولى يحاول هؤلاء البشر استخدام العظام والقرون وكذلك الحجارة مع حرفية تامة في نحتها أو نقشها و تغييرها عن هيئتها الأولى، وهذا يُظهر تحول كبير من تلك الرؤية الضيقة في التفكير إلى أفق واسع متغير، بتطوير وتطبيق هذه المهارات التقنية والتي كانت تُستخدم لإنتاج الأخشاب والحجارة على مواد من نوع جديد بأفكار خيالية مبدعة وخلاقة. وهم بذلك يُحوِلون ما كان جزءً من حيوان كالعظام إلى شيء مختلف جوهرا ومعنى. هذه النهضة الإنتقالية المفاجئة في صناعة الأدوات كانت مرحلة تغير حاسم ومُبهَم في القدرات العقلية لدى الإنسان وفي أدواته ولغته، كانت شغف مستمر للتجديد والإبداع لإبراز شخصية الإنسان في كل ماحوله من صناعة الأداة حتى تمثال فينوس ولندورف أو رسومات كهف لاسكو وحتى صناعة الحاسوب اليوم.

هذا التصور لم يكتفي بتحديد نموذج اللغة أو إتقان صناعة الأدوات بل وصل بنا إلى دراسة منطق التفكير المختلف قطعا بين نمط محدد متكرر ونمط حُر رغم أنه يشترك مع الأول في جوانب المهارات التقنية.

لنأخذ على سبيل المثال تناولت اطروحة البروفيسور مسألتان، صناعة الأداة و اسلوب اللغة. في صناعة الأدوات كان الإنسان القديم اشبه بالآلة متقن لعمله لكنه أسير ومُكرر، على الطرف المقابل الإنسان الحديث، متقن لعمله لكنه مبدع متجدد.

على الرغم من ذلك تعاملنا مع اللغة اليوم (وربما الأدوات كذلك) يشبه تعامل الإنسان القديم، تعامل ظاهري مُقلِد ومكرَّر، يهدف ويقصد للتواصل المجرد والقولبة المعرفية وحسب (وهذا جانب من الرؤية المادية للإنسان اليوم) بينما اللغة عند الإنسان الحديث عرف البروفيسور أبرز ملامحها بالقدرة الفنية الهادفة فيها “البيان” بمعنى أن الإنسان الحديث لم يكتفي بالتسمية “ابنتي” بل أضاف لها بُعدا معنويا مؤثرا جديد “جميلة كالوردة” فأصبح لدى الإنسان الآن وجود فني حُر! صناعة الأداة واللغة لم تعد حاجة نفعيّة وحسب للإنسان الحديث بل شخصية معنوية!


إذا ماهو البيان الذي يحكيه القرآن؟ والذي نرى أثره في الإنسان الحديث، الذي تلازم ظهوره (أي البيان) ظهور قدرات عقلية فذة وإحساس فني عميق لدى الإنسان؟! حتى نبدأ بتشريح البيان يجب أن نبدأ بفهم مكمن علاقته بنا كبشر! تدور منذ القدم فكرة إزدواجية الإنسان بين الروح والمادة، وعلى هذا قامت الفلسفات والرؤى لمحاولة الإجابة عن السؤال الأزلي من أنا؟ ولماذا هنا؟  بالبحث عن تعريف لماهية الإنسان ومدركاته المعرفية، تارة بمحاولة تفكيك الإنسان من هذه الإزدواجية وإنكارها والنظر من رؤية محددة وتارة أخرى بمحاولة توافقية إضطرارية كليلة أحيانا كثيرة، وربما يعبر عن ذلك اليوم هذا الإنشطار الحاصل بين رؤية الفن والمذاهب الروحانية للإنسان وبين رؤية العلم المادي له كذلك. ما يقدمه البيان أو اللغة هو مزج بديع يشابه تماما كائنية الإنسان على حقيقته، بين الوجود الروحي المعنوي والأثر المادي الظاهر كشكل لفظ صوتي ومكتوب، حقيقة أن الكلمات قوالب لتلك المعاني الحرة الدفينة يشبه تماما محاولة الفنان للتعبير عن معانيه الروحية النفسية على شكل لوحة فنية، وحقيقة أن الألفاظ منضبطة محددة ومتوافقة يشبه تماما نظرة العلم ومساعيه للبحث والتعامل مع المتماثل، المتجانس و الساكن الدائم. بمعنى آخر أن اللغة والبيان لدى الإنسان هي إنعكاسات حقيقة وجوده، وليست محض مَلَكة يتميز بها الإنسان. هي قدرة فنية فذة، كما هي قدرة علمية منضبطة.

هنا بدأ الإضطراب عند كفار قريش حول تحديد هذا القرآن ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم بين الشعر (الفن) وبين السحر (العلم الغيبي) القرآن يستخدم اسلوب بياني فني مذهل، ومن هذا ما جاء عن الوليد بن المغيرة أحد صناديد قريش، وكان قد استمع إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يتلو شيئا من القرآن، فقال: والله إن له لطلاوة، وإن عليه لحلاوة، وأسفله لمغدق، وأعلاه مثمر، وما يقول هذا بشر، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله. وهذا الذي دعاهم للإدعاء أن القرآن محض شعر، لهذه القدرة الفنية في التعبير وهم في حيرتهم كيف يواجهون هذا القول الذي لا يعرفون له نظيرا، والذي يدخل إلى قلوب الناس، ويهز مشاعرهم! لكن رغم ذلك، ينفي الله تعالى في القرآن أن محمدا شاعر، أو أن هذا القرآن شعر، فيقول واصفا المنهج الفني في الشعر (والشعراء يتبعهم الغاوون* ألم تر أنهم في كل واد يهيمون* وأنهم يقولون ما لا يفعلون)

 يقول سيد قطب، فجاء القرآن يبين لهم في هذه السورة أن منهج محمد ومنهج القرآن غير منهج الشعراء ومنهج الشعر أصلا. فإن هذا القرآن يستقيم على نهج واضح، ويدعو إلى غاية محددة، ويسير في طريق مستقيم إلى هذه الغاية. والرسول لا يقول اليوم قولا ينقضه غدا، ولا يتبع أهواء وانفعالات متقلبة، إنما يصر على دعوة ويثبت على عقيدة و يدأب على منهج لا عوج فيه. والشعراء ليسوا كذلك. الشعراء أسرى الانفعالات والعواطف المتقلبة. تتحكم فيهم مشاعرهم وتقودهم إلى التعبير عنها كيفما كانت ويرون الأمر الواحد في لحظة أسود وفي لحظة أبيض. يرضون فيقولون قولا، ويسخطون فيقولون قولا آخر. ثم هم آصحاب أمزجة لا تثبت على حال! “نشوء جديد على الدوام” كما يقول جون كاسو عن الفن.

يُكمِل سيد قطب فيقول، ومع هذا فالإسلام لا يُحارِب الشعر والفن لذاته - كما قد يُفهم من ظاهر الألفاظ - إنما يحارب المنهج الذي سار عليه الشعر والفن. منهج الأهواء والإنفعالات التي لا ضابط لها، ومنهج الأحلام المهومة التي تشغل أصحابها عن تحقيقها.
ولقد وجه القرآن القلوب والعقول إلى بدائع هذا الكون، وإلى خفايا النفس البشرية. وهذه وتلك هي مادة الشعر والفن. وفي القرآن وقفات أمام بدائع الخلق والنفس لم يبلغ إليها شعر قط في الشفافية والنفاذ والاحتفال بتلك البدائع وذلك الجمال، مستنيرةً ومسطرة بعلمِ مُدبِر هذا الكون وخالقه العليم بسر مخلوقاته وحقائقها.
إن المتأمل في رسائل القرآن وصياغته البيانية يستشعر رقي التربية الفنية الجمالية فيه بتغذية الوجود المفكر في الإنسان ليغوص في أعماق المعاني ويخترق حُجُب المادة وظاهر الحس ويهز الشعور بالوجود الروحي للظاهر الأصم للكائنات من حوله، عندما يأخذك القرآن لقراءات في كتاب الكون في صحائفه المعجبة الرائعة، المتنوعة الألوان والأنواع والأجناس هو لا يقصد إلى رسم لوحة فنية في ذهنك بلا هدف كما هي رؤية الفن للفن “الفائدة غير المستهدفة للشيء الجميل” بل هي التوجيه للتحفيز المستهدف للتفكر في الدلالة البيانية للآيات و لبديع صنع الخالق، فلَفت نظر الإنسان إلى ما في عالم الموجودات من جمال وروعة وفن وإبداع طالبا منه أن ينظر ليفهم دلالتها فيما يحكيه، ويستلهم أسرارها ويستقبل تأثيراتها بإعماله لفِكره ليصل بها إلى عظمة بارئها وبديع صنعته.

يقول محمد ياسين حسن، عندما دعا القرآن الكريم الناس إلى التأمل في الطبيعة، لم تكن دعوته هذه تنصب على الجانب التجريبي العلمي من أجل استغلال كنوز الأرض والطبيعة وإمكاناتها فحسب. وهو ما يهدف العلم إليه، بل رافق هذه الدعوة توجيه إلى الجانب الإنفعالي الجمالي من أجل تنمية وتهذيب الإحساس البشري ورفعه إلى الدرجة التي يستحقها الإنسان، بكونه مخلوقا حساسا وهو ما يهدف الفن إليه.

إذا القرآن ليس مادةَ فنية وحسب كما نرى من روعة بيانه ولا هو حتى مادة علمية نفعيّة مجردة، بل مزيج موجّه متفرد في تأثيره وعام في رسالته، وهنا تكمن قوته البيانية وقوة البيان ذاته، في كونه قادرا على الوصول للبُعد الروحي في الإنسان الذي يهدف إليه الفن والأديان عموما، والبُعد العلمي والإقرار بالوجود المادي وتنميته الذي يهدف إليه العلم الحديث .. هذه الرؤية، رؤية القرآن وكائنية البيان هي نفسها لو تأملت تجانس لإزدواجية الإنسان! 



 إن هذا القرآن لا يمنح كنوزه إلا لمن يُقبل عليه بهذه الروح، روح المعرفة المنشئة للعمل. سيد قطب

إن ضعف هذا الأثر الذي يجتاحنا اليوم تجاه القرآن قد يكون سببه أننا نحدد السياق المعرفي مسبقا لتلقي رسائل القرآن (بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم بغير علم فمن يهدي من أضل الله وما لهم من ناصرين) نقرأ القرآن إما بلغة المادة أو بلغة الفن أو بمعنى آخر نبحث عن المنطق الإعجازي العلمي في القرآن أو عن القصص والتصورات الأدبية اللغوية الجمالية، نحاول جاهدين تفكيك معالم هذا القرآن وتناولها مجزأة، ولم نحاول أن نفهم بعد، ماهو الإنسان الذي يخاطبه القرآن فينا، وماهي دعوة القرآن لإنسانه، أو بالأحرى أعمانا الكسل عن تدبر رسائله، فتعاملنا مع معانيه بسطحية لم تُخالج شغاف قلوبنا بعد، نحن وللأسف قمنا بشطر الإعجاز الحقيقي لهذا القرآن إلى نفس المنهجية الكارثية التي يقوم بها الإنسان منذ الأزل، عزل وتقييد لزوايا الرؤية وحصرها في خيار واحد، عقل أو عاطفة، علم أو فن .. وهلم جرا لكل هذا!

رسائل القرآن لن يصل تأثيرها بدون الروح المُفكرة المتأملة الفنية الهادفة، بدون القلب القرآني العاقل، بدون ذاك المنهج الوسطي الذي يدعوا إليه، بدون ذاك المزيج الفريد الذي يحكي قصتك، بين أحرفه وكلماته، مخطئ من يظن أن إعجاز القرآن محدد في بلاغته وجمال بيانه الفني وحسب، أو أن الإعجاز القرآني محدد بسبقه للفت النظر العلمي في الأكوان وخلق الإنسان من دون بقية الأديان، ورغم أننا ندعي وحدة الرؤية ومايدفعنا للفصل إلى البحث والإيضاح إلا أننا قد نمارس هذا الفصل في النظر والأثر.

ولو تأملت مجددا في آيات القرآن ورسائلها كلها تحفيز و دعوة للعقول لكي تتفكر وتتأمل، في جميع مواضيعه، القرآن يعتمد في وصول أثره بتكامل دائرة البيان في التأثير على قلبك، في العمل الحقيقي، وهذا لن يحصل ابدا بالقراءة العمياء عن سبر أغوار المعاني، البيان الذي يدعو إليه القرآن هو علامة الإنسان بنور عقله وضيائه (إن في ذلك لعبرة لأولي الألباب) (إن في ذلك لآيات للمتوسمين) (إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون) (كذلك نفصل الآيات لقوم يعقلون) القرآن لا ينفك عن ربط رسالاته وآياته خصوصا المصيرية منها بقدرة الإنسان المتفردة “التفكر” (وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون) والبيان ماهو إلا بداية ونهاية سلسلة المعرفة والتفكر وأصالة الروح، ولذلك اهتم علماء المسلمين باللغة العربية، ليس من حيث كونها إرثا ثقافي، بل لأنها مفاتيح الإدراك العقلي للعلم القرآني ولأي علم كان (من حيث كونها لغة وبيان). فكما يقول سهل بن هارون “العقل رائد الرُّوح، والعلمُ رائدُ العقل، والبيان تَرجمان العلم” وقالوا “حياة العلم البيان” وقال ابن التوأم‏:‏ “الروح عماد البدن، والعلم عماد الروح، والبيان عماد العلم”

التفكر لم يكن ابدا محض عبادة كما يصفه العقاد، إنما هو رمزية إنسانية الإنسان في كونه ذا بيان، و وسيلة تدبر القرآن ومعراج القلوب إلى السماء، بل هو بنفسه دليلنا إلى ذي الجلال!

لو عُدنا وقرأنا سورة الرحمن الآن مالذي سنجده؟ بدأت سورة الرحمن كما قلت بثلاث مواضيع رئيسية القرآن والإنسان والبيان، ابتدأ الرحمن السورة والنِعم بالبيان، لأنه وكما بينّا سابقا أجلُّ نِعَم الإنسان، فالبيان ترجمة للفكر نتاج العقل، ولم يقل علماء الإسلام أن العقل مدار التكليف عبثا، فهو العُدة والعتاد و آلة إدراك رحلة الأكوان في سورة الرحمن، وهو وحده من سيخضع ويستسلم لـ(فبأي آلاء ربكما تكذبان) سورة الرحمن، رحلة كونية وتحدي شديد للإنسان والجان، يدفع العقل ليتأمل ويتفكر ويبحث ويُنقب، في كل موقف، في كل آية، إنها إعلان عام في ساحة الوجود الكبير كما يقول سيد قطب، وإعلام بآلاء الله الباهرة الظاهرة، في جميل صنعه، وإبداع خلقه، وفي فيض نعمائه، وفي تدبيره للوجود وما فيه، وتوجه الخلائق كلها إلى وجهه الكريم. وحتى تدرك ذلك كله يجب أن يتحقق أصلُ البيان، ومزية خلقِ الإنسان!

ولو قرأت سورة القمر التي تسبق سورة الرحمن مباشرة، سترى أن الله يسرد معجزات وأسباب هلاك الأمم السابقة، ويكرر بعد كل ذكرى (ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر) هي إشارة لهذه النعمة الحقيقية لهذه الأمة، و دعوة هادئة للقلب الإنساني، إلى التذكر والتدبر والتعقّل، هي فرصة لأن يُعمل عقله اليوم ويتحقق الطريق. هذه هي رسالة القرآن رسالة التفكر، رسالة العمل، رسالة البيان! فالقرآن بذلك معين لا ينضب، ورسالة عالمية في منهجه، وسبيل إدراك دلائله، وإدراك معانيها.

يقول ابن عاشور في تفسير هذه الآية، وهذا اليسر يحصل من جانب الألفاظ وجانب المعاني. فأما من جانب الألفاظ فذلك بكونها في أعلى درجات فصاحة الكلمات وفصاحة التراكيب، أي فصاحة الكلام، وانتظام مجموعها، بحيث يخف حفظها على الألسنة. وأما من جانب المعاني فبوضوح انتزاعها من التراكيب ووفرة ما تحتوي عليه التراكيب منها من مغازي الغرض المسوقة هي له. وبتولّد معان من معان أُخر كلما كرر المتدبر تدبره في فهمها. (توسع معرفي)

ويتأتى ذلك بتأليف نظم القرآن بلغة هي أفصح لغات البشر، وأسمح ألفاظا وتراكيب، بوفرة المعاني وبكون تراكيبه أقصى ما تسمح به تلك اللغة، فهو خيار من خيار من خيار. قال تعالى بلسان عربي مبين . 

ثم يكون المتلقون له، أمة هي أذكى الأمم عقولا وأسرعها أفهاما وأشدها وعيا لما تسمعه، وأطولها تذكرا له. دون نسيان، وهي على تفاوتهم في هذه الخلال تفاوتا اقتضته سنة الكون لا يناكد حالهم في هذا التفاوت ما أراده الله من تيسيره للذكر، و إنه إذا اجتمع أصحاب الأفهام على مدارسته وتدبره بدت لمجموعهم معان لا يحصيها الواحد منهم وحده. وقد فرض الله على علماء القرآن تبيينه تصريحا كقوله لتبين للناس ما نزل إليهم) وتعريضا كقوله (وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس) فإن هذه الأمة أجدر بهذا الميثاق. ميثاق( العلم، ميثاق المعرفة. رحلة إعجاز القرآن إن بدأت في قلبك فلن تنتهي، وإنها لا تعمى الابصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور.

أخيرا وفق هذه الرؤية حول تناغم رسالة القرآن والإنسان والبيان، وإشارات التفكر الفنان، والتي سنستفيض في بيانها لاحقا ونتأمل معا روائع القرآن، سنبدأ في المقال القادم إن شاء الله بسبر أغوار المعاني وتأمل دقيق ألفاظ القرآن ومحاولة تشخيص معالم الخلل في رحلة المعاني إلى قلوبنا العاقلة كما يصفها القرآن. وماهي تلك القلوب المتفكرة التي تمثل هويتنا الإنسانية في القرآن؟! حتى ذلكم الحين انصح بقراءة تفسير سورة الرحمن لسيد قطب حتى نتذوق سويا نموذج لمعاني التفكر القرآني البياني.


أعتذر بشدة عن الإطالة، أعدت كتابة هذا المقال 3 مرات حتى اختصر أفكاره ورغم ذلك أضطررت إلى تقسيمه إلى مقالين. اتمنى أيضا قراءة مقال الخليفة و مقال الفضول، بشكل عجيب وغريب وجدت تكاملا في الأفكار، رغم اني لم أقصد هذا البته، فمقصد وغاية موضوع صراع الأشكال مختلفة تماما عن غاية موضوع روح المعاني! لكن عموما ربما أقوم عندما أنتهي من هذا الموضوع بإعادة صياغة للمقالين السابقين بحيث تكون موضوعا واحد، متصل مع بقية المقالات في روح المعاني إن شاء الله.  متأسف مرة أخرى. 

روح المعاني ~ النطق الأصيل


يقول طبيب الأمراض السلوكية العصبية وعلم الأعصاب أنطونيو داماسيو، إننا ولمدة طويلة كنا نظن أن الدماغ أو العقل هو تداخل بين الشعور العاطفي وعملية التفكير، ولكنه قد اتضح لنا الآن أن هذا الفصل بينهما خطأ جسيم في إدراك وفهم هذه الآلية .. البشر في حقيقة أمرهم ليسوا آلات تفكير بل آلات شعور تستطيع القيام بعملية التفكير! 


يُقال أن الإنسان حيوان ناطق ويظن البعض أن قضية النطق مرتبطة باللغة من حيث أنها تواصل صوتي وحسب، بينما أن المعنى الدقيق لهذه العبارة عند المناطقة هو قوة النطق الشعوري أو بمعنى آخر الناطقية هي قوة العقل والفكر، والتي لا تُقيد مفهوم الإنسان في نطق صوتي سليم أكثر من وجود داخلي مُفكر قادر على البيان (الفهم والإفهام) والإفصاح عما في ضميره. فالمقصود بالناطق أي العاقل المتفكر، و علم المنطق لا ينظر للألفاظ كألفاظ و إيقاعات صوتية مجردة أو نَظم إعرابي مُعتبر، بل ينظر لها كمرآة للمعاني ودلالة لما يقع في الذهن والخاطر قبل خروجه على شكل قالب لفظي منطوق، وفي هذا يبحث علم المعاني “Semantics” أو علم الدلالة.

إذن في الحقيقة كل شيء يبدأ من تلك المعاني في نفس كلِ منا، وبها نُؤثر ونتأثر والألفاظ ومنها الحروف المكتوبة ماهي إلا قوالب لنقل تلك المعاني إلى الأذهان! وبذلك تكون كل كلمة نستخدمها تحمل في ذاتها تصورا ومعنى نتأثر به بشكل مختلف عن غيرها، فعندما أقول مثلا علا أو سما كلاهما يدلان ظاهريا على الإرتفاع وقد يغريك ذلك بالظن أن هذا ترادف، لكن إذا دققت النظر في الأصول الإشتقاقية للكلمتين في اللغة العربية ستدرك الفرق، لكون علا مشتقة من ظرف المكان عالي، بينما سما مشتقة من ذات السماء بكل تصوراتنا الأخرى الجميلة حول السماء، وبالتالي نخلُص هنا من مجرد إرتفاع إلى معاني مركبة أخرى تحمل تصورات مختلفة في كلمة واحدة فقط، والأمر كذلك مثلا مع اسماء السيف واشتقاقاتها كالهندي والصارم، فالهندي نسبة للهند والصارم نسبة للصرم والقطع حتى إن بعض المختصين في اللغة يذهب إلى عدم الأخذ بالترادف المطلق في العربية فبرأيهم لايوجد في العربية ترادف محض بل كل اسم وإن رادف غيره فلا بد أن يختص بمعنى لأجله سُمي الاسم به. ومن ثم ما إن تحاول تفصيل حدود تلك الكلمات منفردةً حتى تكتشف الفوارق بينها في التعريف والمعنى الجوهري فيها! ومفهوم دلالة اللفظ كما ذكرت هو أحد الأركان الأولية في علم المنطق، حيث أن المنطق يهتم مبدئيا في تقنين معاني الكلمات وتصوراتها حتى يبدأ بضبط عملية الفِكر والتفكير، والأمر في ذلك واسع جدا في علم المعاني والدلالة كذلك. لكن ما أسعى إليه من توضيح هذه الفكرة هنا هو تبيان أن لكل كلمة روحا و معنىً مختلف عن غيرها ولهذا السبب وجِدت، للتعبير عن ذاك المعنى الدقيق المختلف الذي لا يتطابق مع غيرها في أثرها وتأثيرها على النفس، فمن الأثر الإدراكي النفسي والحسي يبدأ وينتهي كل شيء له علاقة بالألفاظ والكلمات.


هل البيان هو القدرة على النطق بالمعنى أو اللفظ؟

البيان بشكل أدق هو المنظومة والعملية الكاملة المتميزة في الإفصاح عن المعاني وليس المعنى للكلمة المفردة، أي أنني قد استطيع قول كلمة “حب أو شجرة” وهي في حد ذاتها تُفصح بمسماها والمعنى الأولي العام فيها لكنها لا تشكل فكرة كاملة محددة، مفيدة و دقيقة وتلك مهمة التراكيب ومنه البيان. فالبيان هو القدرة على الإبانة والتبيين أي الإيضاح في تفسير الشعور باختيار مجموعة الألفاظ المناسبة التي تحمل تصورات مناسبة لتوضيح المعنى النفسي، بل ربما أقول أن قدرة البيان تكمن في قوة التعبير عن المعاني لتلك الكلمات منفردة ضمن السياق الكامل.

ما أقصده أننا نستمع ونقرأ مئات القصص والقصائد والمقالات عن الشجاعة والحرية والحب مثلا لكن كم قصيدة وكم قصة أثرت فيك بعمق؟ ألم يستخدموا جميعا نفس المعنى الأولي للحب وربما مجموعة كلمات متشابهة وحاولوا التعبير عن الموضوع بشكل مطول؟ إذا لماذا كان الأثر مختلفا؟ هنا تبدأ قوة البيان هي القدرة على إيقاظ المعاني الروحية للكلمة، هي القدرة على طرق أبواب المعاني الثواني و الوصول لتلك المعاني الدفينة في النفوس بصياغة مفاتيح المعاني (الكلمات) المناسبة في الجملة الكاملة، أي أن كل كلمة تحمل معنى يُقدم تجربة مختلفة (بحكم اختلاف معناها) إذا ما وضعت جنبا إلى جنب مع كلمة أخرى في نفس السياق وبالتالي يكون التأثير الكلي للجملة مختلفا تماما بما تحتويه من مجموعة مخصوصة من الكلمات! وهنا تكمن براعة الكاتب أو الشاعر، ليس في ثقل الكلمات وتعقيدها وكثرتها بل في دقة وتميز نظمها والاختيار الدقيق لكل كلمة منها لتصل في النهاية لذاك الأثر النفسي المخصوص وهذا يلخص مهمة علوم اللغة ككل، فمهمة علم المعاني هي إرشادنا إلى اختيار التركيب اللغوي المناسب للموقف، كما يرشدنا إلي جعل الصورة اللفظية أقرب ما تكون دلالة على الفكرة التي تخطر في أذهاننا، وهو لا يقتصر على البحث في كل جملة مفردة على حدة، ولكنه يمد نطاق بحثه إلي علاقة كل جملة بالأخرى، وإلى النص كله بوصفه تعبيرا متصلا عن موقف واحد. وكذلك لهذه الغاية (التعبير عن المعنى النفسي) تعددت طرق و أدوات البيان كالتشبيه والإستعارة والكناية والمجاز وتحلت وتزينت وتزخرفت ألفاظنا بالمحسنات البديعية وهلم جرا في علوم اللغة، كل ذلك أقول مجددا كان للبوح بالمعنى النفيس.


والسؤال الذي قد يطرأ في ذهنك الآن، إذا كنت أنا كإنسان مميز بالبيان، لماذا لا أُحسنه أو بالأحرى لماذا هذا التفاوت بين البشر في إتقانه؟

قلنا سابقا البيان في الفهم والإفهام أي أنها عملية أثر وتأثير وتفسير هذه المسألة أعبر عنه بسهولة بمثال مُتعلم اللغة الجديد! لنفترض سويا أننا نريد أن نتعلم اللغة الإنجليزية بطلاقة. أول اسلوب قد يخطر على البال لكثرة الإشارة إليه هو حفظ الكلمات من القاموس أي حفظ اللفظ الصوتي المنطوق والمكتوب بمعناه النفسي الذي غالبا ما نجد توافق بين لغة وأخرى في المعنى فكلمة مثل سيارة يقابلها في الإنجليزية Car النطق مختلف والكتابة مختلفة لكن المعنى واحد تماما.

هذه هي أول شروط البيان إدراك الألفاظ ومعانيها(أقصد بيان الإنسان عموما)، كمثال في اللغة الإنجليزية قد أود التعبير عن رفع القلم عن الطاولة، لذا سأقول لزميلي في الفصل إلتقط القلم عن الطاولة لنفرض أن لدي خياران اثنان في التعبير عن هذا المعنى بالإنجليزية

Tack the pen from the table, please.

Pick up the pen, please.

في المعنى الأول استخدمت الفعل tack وهو إلى حد ما يعبر عن المعنى الذي أريد وهو الأخذ لكن الجملة الثانية أدق في التعبير لأني استخدمت لفظ أدق في وصف الفعل الذي أريد ألا وهو الإلتقاط للأعلى pick up (لكون القلم على الطاولة فعليا وقت خطابي لزميلي)

هذا الخطأ وقعت فيه لأني لا أمتلك قاعدة ألفاظ جيدة تسمح لي باختيار اللفظ المناسب المتوافق مع ذوق اللغة، رغم أن المعنى موجود في داخلي و اللفظ موجود لكني جهلته وبالتالي أثر ذلك في عملية الإفهام عندي والفهم لدى زميلي رغم أن زميلي لم يخطأ قد يكون هو أكثر مني دقة في التعبير اللفظي ويصحح لي الخطأ ايضا، وهذا مثال بسيط لماذا نعجز أحيانا عن قراءة اللغة العربية الفصحى وفهمها لأننا ببساطة نجهل تلك الألفاظ ومعانيها وبالتالي لا يقع الأثر في النفس ويختل البيان لدينا كمتلقي رغم أن كاتب النص كان بارعا في البيان.

المشكلة هي أن إدراكك للفظ أو حتى حفظك لصيغ مختلفة لنفس المعنى وحسب لا يعني أنك أصبحت ذا بيان، هذا هو الفرق بين فهم الآلية وبين مجرد الحفظ. في واقع الأمر أنت مازلت في خطواتك الأولى لتعلم اللغة حتى يحين الوقت لتبدأ بإستخدام أدوات البيان بطرق متعدّدة وتراكيب متفاوتة. وهذا لا يمنع مقدرتك على تحسس مكامن الجمال فيما تقرأ من بيان. ومثال الحفظ المجرد للكلمات من القاموس خطأ يقع فيه الكثير عند تعلم لغة أجنبية، وقد ينصحك خبير بعلوم اللغة بتجربة مخالطة أهل اللغة انفسهم إما بمشاهدة الأفلام على سبيل المثال حيث انها تصور جزئي للبيئة وإن كان في معظم الوقت مختل ثقافيا، أو حتى بالسفر إليهم وما إلى ذلك .. لماذا نستخدم هذه الطريقة وما المختلف هنا ؟


طريقة مخالطة أهل اللغة هي تعبير مباشر لمحاولة فهم الذوق البياني لهذه اللغة! عندما تستمع للتعبير الكامل من صاحب لغة أنت تستمع للكلمات وأنواعها اسم وفعل و فاعل ونحوه وسياقها الصحيح لتكون قاعدة للتعبير، وهذا ماقد تدرسه في المدرسة أو المعهد أو حتى بعيدا عن محيط أهل اللغة، هنا قد تكون بدأت في تكوين صورة جيدة عن اللغة لكن التحدث بها ببيان أمر مختلف! إحدى محاسن المخالطة هو الإحساس بثقافة وذوق اللغة ومعانيها ومتى تستخدم هذه العبارة ومتى لا تستخدمها ومعرفة أدوات البيان فيها فمثلا ما يسمى في الإنجليزية  idiom  ماهو إلا أداة من أدوات البيان تقابلها تقريبا في العربية أداة الكناية، ويستطيع أن يخبرك أي متعلم قديم أنك لن تفهم تلك المعاني بمجرد الحفظ المدرسي أو حتى الإدراك اللفظي، يجب أن تتدارسها بشكل منفرد عن حفظ الكلمات والقواعد، لأنها على علاقة وثيقة بالذوق الثقافي.

ومسألة الذوق مقتبسة من طبيعة نشأة هذه اللغة أو ذاك الاسلوب بطبيعة أهلها، قد يلاحظ المتعلم للغة الإنجليزية رُقي حديث البريطانيين ولسانهم، بإستخدام ألفاظ أكثر تأدبا في الطلب أو حتى في الوصف حتى أصبحت هذه الصفة مصدر سخرية وضحك من متحدثي اللغة الإنجليزية باللسان الأمريكي في الطرف المقابل. هذا الذوق يؤثر على متعلم اللغة سواء كانت هذه اللغة لغة أم بالنسبة له أم لغة أجنبية عنه، والأمثلة على ذلك كثيرة في الإنجليزية أو اليابانية أو العربية، طريقة تركيب الألفاظ وحتى صياغتها تعكس طبيعة أهلها وثقافتهم، وبالتالي تعلمها ليس تعلما للألفاظ وحسب بل مجددا تأثرا بمنظومة معانيها. ايضا إسقاط اللون الثقافي العربي على الإنجليزية قد يكون على طرفي نقيض مثل عبارتي “أثلجت صدري” عند العرب و “أدفأت صدري” عند الغرب المعنى المقصود واحد لكن الألفاظ على النقيض بسبب بسيط هو الطبيعة الجغرافية واختلاف حالة الطقس عند العرب بطول الحر و على الشق الآخر بطول البرد. وكذلك الأمر مع اللون الأزرق فالعرب كانت تكرهه على العكس تماما مع الثقافة الغربية. ولذلك كان الإختلاط بالثقافة جزء اساسي من إتقان البيان اللغوي.

أعتذر عن الإطالة وأتركك لسؤال هو غاية هذا المقال .. هل تتقن البيان في الفهم والإفهام؟ هل تحظى بلسان عربي مبين؟ وهل تُدرك معاني الألفاظ الفُصحى؟ بل هل تتقن اللغة العربية؟

ويجرنا هذا لاسئلة أهم وهي مدار حديثنا القادم .. هل تفهم القرآن؟ أو حتى وصايا محمد صلى الله عليه وسلم؟ هل تدرك معاني ظاهر ألفاظها بغض النظر عن روح معانيها؟ وكيف نُحيي العبارات بتصور المعاني الوجدانية بدون الخوض المعقد الممل للغة؟

يُتبع إن شاء الله ..

صراع الأشكال ~ الفضول

 لقد علق الله جل في علاه في مطلع آيات المقال السابق أهلية آدم والبشر من بعده لخلافة الأرض بعلم الأسماء وإثباتها كحجة على الملائكة وعجزهم عن إدراكها، وذلك لا يعني حتما أفضلية آدم على الملائكة بل إظهارا لمزيته، إظهارا لحكمة الله من وجوده  وتحقيق الغرض الحقيقي لخلافة الأرض، لنمائها وعمرانها مع التسبيح والإجلال. ولا شك أن هذه الخلافة لا تتقوم إلا بالعلم والمعرفة واكتساب المجهول من المعلوم وتحقيق المناسبة بين الأشياء ومقارناتها وهو العلم الإكتسابي الذي يدرك به الإنسان الخير والشر ويستطيع به فعل الخير وفعل الشر كل في موضعه ويحقق فيه النماء الحقيقي في مجتمعه بل وحتى على آثاره على هذه الأرض وحياتها، ولا يصلح لهذا العلم إلا القوة الناطقة وهي قوة التفكير التي أجلى مظاهرها معرفة أسماء الأشياء وأسماء خصائصها.

إن قضية وجود العقل وبالتالي تضارب واختلاف الرؤى في تحديد مفاهيم نظنها مسلمات كقضية الخير والشر هي بحد ذاتها من نعم الله على بني البشر، تخيل عالما من أبيض أو أسود فقط؟! وجود الأضداد و إختلاف مفاهيم الخير والشر ذاته يعني تفوات كبير جدا في الأراء وبروز للمنطقة الرمادية، بل كافة الألوان!

يقول سيد قطب حول حرية آدم بين الخير والشر، هو خير النمو الدائم والرقي الدائم، خير الحركة الهادمة البانية خير المحاولة التي لا تكف والتطلع الذي لا يقف والتغيير والتطوير في هذا الملك الكبير.

فبكل ذلك تتحق المصلحة في تطور العلم، في معرفة ما يضر وما ينفع، في الألم والعطف، في أن نفهم الشيء ونقيضه ويستيقظ آدم في كل منا، في أن تستيقظ أرواحنا .. للفطرة بالمعرفة! وعلى هذا كان منوال حياة البشر منذ البداية، نمو معرفي متسارع تقوده قوة العقل، قوة التفكير!

وعلى العكس فإن الملائكة بسجيتهم المجبولة للخير لم يخلقوا متهيئين و مؤهلين للإستفادة من نظم البحث بإدراك المجهول واكتساب المعلوم حتى لا تقف معارفهم ولم يكونوا أيضا مصادرا للشرور التي يتعين بها الصلاح لإصلاح هذا العالم (تحقيق فكرة الخلافة على الأرض) كما يقول ابن عاشور فخيريتهم و إن كانت صالحة لإستقامة عالمهم الطاهر القائم على طاعة الله وتنفيذ أوامره لم تكن صالحة لنظام عالم مخلوط كالمجتمع الأرضي. 

في نهاية هذا التحدي وفي ظل تلك الأجواء هنا يأمر الإله رب السماء والأرض الخالق الواحد الأوحد ذو الجلال، يأمر أشرف وأقبل خلقه للخير والطاعة للملائكة الذين تحداهم أنِ اسجدوا لآدم!

إنه التكريم والتعظيم في أروع صوره لهذا المخلوق، لهذا الخليفة الذي قد يسفك الدماء لكنه كان عظيما بإستحقاقه للأسماء، بعقله ونور معرفته و إرادته المستقلة.

في الحقيقة إن السجود لآدم على مافيه من نتيجة و أمر لتحدي الاسماء إلا أنه كان مرحلة أساسية في نضوج آدم عليه السلام فتجد في آيات أخرى التي تورد قصة خلق آدم (فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين) هنا تفهم أن عملية السجود كانت مرحلة تم الإخبار والأمر بها من قبل خلق آدم. و فكرة السجود هنا متمثلة في التكريم والتحية والإحترام لا العبادة كما يتفق أهل العلم. لكنني سأتناول القضية هنا من منظور نفسي، فتأملوا!

ينشأ أي طفل في هذا العالم سنينه الأولى في تنمية ذاته و الإحساس بوجوده وخصوصيته وذاتيته من بين البشر، فيحمل الاسم والصفات وقد تظهر ذاتيته في أول ألعابه أو في المقارنة بين ألعابه وجمالها بألعاب غيره وهكذا كل ذلك يحدث في مراحل طبيعية متتابعة لينشأ كاملا قويما قادرا على تحقيق غاياته في حياته، بتعزيز ثقته بنفسه ومستعينا بها، لذلك تجد أن التحفيز و التشجيع عوامل مهمة جدا في تنشأة الطفل. 

و أظن أن السجود لآدم على مافيه من تكريم لما سبق، كان الغرض منه أيضا تعزيز هذه الثقة في آدم وتلحظ أن الله جل في علاه عندما نادى آدم لينبئ الملائكة بالأسماء كما يقول ابن عاشور ابتدأ خطاب آدم بندائه بإسمه (مع أنه غير بعيد عن سماع الأمر الإلهي) للتنويه بشأن آدم وإظهار اسمه في الملأ الأعلى حتى ينال حسن السمعة، مع ما فيه من التكريم عند الآمر. نرى هنا إغداق الله في إبراز فضل هذا المخلوق مرة تلو مرة بإسمه وذاته وعلمه، كل هذا كان يصب في تعزيز آدم عليه السلام على تولي الخلافة في الأرض بثقة وثبات، بل إن وجود حرية الإختيار وبالتالي الخير والشر والإختلاف بين الناس وحصول عملية التفكير لا يتفق حصول الفلاح منه إلا بهذه الثقة، ولهذا كان إعداد آدم عليه السلام لهذه المهمة مُفعما بالإهتمام والخيرية والإحترام!

لكن مالذي حدث عند السجود؟ (فسجد الملائكة كلهم أجمعون، إلا إبليس أبى أن يكون مع الساجدين، قال يا إبليس ما لك ألا تكون مع الساجدين قال لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال من حمإ مسنون) سورة الحجر

أبى إبليس و استكبر عن السجود مع الملائكة! مايثير هنا أكثر من رفضه للسجود هو سبب الرفض. ماقام به إبليس هو عملية عقلية منطقية حُرة بالضبط كما يفكر بني البشر!

قام بإدراك ذاته (نار) ثم إدراك ذات آدم (طين) ثم قام بعملية قياس منطقية حُرة بين الذاتين وفقا لمعرفته ومعلوماته ليخرج في النهاية أن ذاته النار هي أشرف و أفضل (وفقا فقط لمعرفة ابليس الناقصة بالطبع) ولاحظ أن قضية الشرف والأفضلية جاءت بعد هذا الكم من الإهتمام بآدم .. غيرة وحسد! وهي أيضا نتائج عقلية حُرة.

ولا عجب في ذلك أبدا حينما تعلم أن رسالة الإسلام للثقلين للجن والإنس (إلا إبليس كان من الجن) وتعلم أيضا أن رسالة الإسلام مدارها حرية العقل والإدراك، فالمجنون لا يحاسب ولا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي! بل حتى تورد بعض الروايات أن إبليس كان يجيء إلى آدم قبل أن تنفخ فيه الروح، فقد كان جثة هامدة من طين أتى اليه الشيطان فرآه أجوفا ، فكان يدخل مـن فمه ويخرج من دبره ويدخل من أنفه ويخرج من أذنه وهو أجوف. لا تهمني صحة الرواية بل المفهوم الذي تقدم .. الفضول! وهي طبيعة عقلية حُرة في تلقي المعرفة! 

في الحقيقة إن حادثة عصيان إبليس كانت مهمة جدا أيضا في اكتمال مفهوم الحرية والعقل لدى آدم كانت درس تربوي عظيم لآدم وللبشر أجمعين، رفض إبليس بعد الخطأ وعصيانه وكيف حاوره الله وسأله ثم استمر إبليس في إستكباره كل ذلك كان سبب رئيسي في إدراك آدم الخلل والخطأ الجسيم في الجدال والإستكبار عن الذنب، ولذلك تاب مباشرة بعد أن أدرك ذنبه لاحقا .. فغفر الله له! 

بعد كل ماحدث مع إبليس وطرده من الجنة لأنه استكبر على الله و أنكر فضله و أحتقر آدم، يعود الله تعالى بنداء آدم مرة أخرى بإسمه نداء تنويه بذكر اسمه بين الملأ الأعلى لإسماع أهل الملأ الأعلى فيتطلعون لما سيخاطب به، أُسكن أنت وزوجك الجنة وكُلا منها رغدا حيث شئتما! إنها دلالة ومفهوم أن العالِم العارف الواعي جديرٌ بالإكرام والعيش الهانئ كما هو جديرٌ بالإحترام والتعظيم.

يقول سيد قطب لقد أبيحت لهما كل ثمار الجنة، إلا شجرة .. شجرة واحدة، ربما كانت ترمز للمحظور الذي لا بد منه في حياة الأرض. فبغير محظور لا تنبت الإرادة، ولا يتميز الإنسان المريد من الحيوان المسوق، ولا يمتحن صبر الإنسان على الوفاء بالعهد والتقيد بالشرط. فالإرادة هي مفرق الطريق، والذين يستمتعون بلا إرادة هم من عالم البهيمة، ولو بدوا في شكل الآدميين !

وهذا بالضبط ما أظنه السر خلف وجود المنع، تربية على قدرات العقل ومزيتها بين الخلائق، إن أكل آدم من الشجرة كان تطبيقا عملي للمهمة الحقيقية على الأرض بل أيضا إظهار لمعضلة الإنسان الأصيلة، هنا تماما يبدأ موضوعنا وينتهي .. نزعة الكمال وصراع الأشكال!

إذا كيف تعامل آدم مع هذا الإختبار ؟ مع العلم مسبقا أن الشيطان أغواه وأكل من الشجرة لكن كيف حدث ذلك؟ قبل ذلك دعونا نتعرف على أنفسنا .. على الإنسان!

ماهي القدرات العقلية التي جهزت أسلافنا على هذه الأرض ؟ ما هو السبب الجوهري لكون الإنسان إنسانا رغم التشابه البيولوجي الكبير بيننا وبين الحيوان، حتى أدعى البعض أننا محض قردة تطورت ؟ ماهو سبب الإنفجار الإبداعي البشري العظيم والخيال المتسارع منذ 10 آلاف سنة؟ حتى هذا اليوم تحولت هذه الأرض تماما وتغيرت عما كانت عليه والسبب الرئيسي هو .. إنسان يدفعه الفضول نحو التغيير والتجديد!

إنسان لم يكتفي بما حققه في 10 آلاف سنة من وجوده ولن يكتفي بـ 100 أخرى! يستطيع الجميع أن يجزم أن عالم بني البشر والأرض وما عليها كانت حتما مختلفة قبل ألف سنة وحتما ستختلف عما هي الآن بعد ألف سنة بل ربما مئة! .. إذا لماذا ؟ وماهي قوة هذا الفضول!  

أثارني جدا في الحقيقة المعنى اللغوي لكلمة فضول والذي يتفق تماما مع غاية هذا الحديث كله

الفضول في اللغة جمع فضل الذي يحوي معاني عدة تتمحور حول فكرة النقص و الزيادة، فمثلا في الحساب ما يبقى بعد إسقاط الأقل من الأكثر وقيل أنفق ما فضل من ماله على الفقراء، ومنه الفَضْلُ و الفَضيلةُ ضد النقص والنقيصة. 

إذا نفهم بوضوح أن مفهوم الفضول لدى الإنسان يعني بشكل أو بآخر الزيادة و نزعة للكمال أو الشعور بالنقص ورغبة في التمام! أنا فضولي لأني لا أعرف كفاية فلذلك هناك ما يحفزني لأعرف أكثر! ارأيتم الآن ما أقصد ؟

لذلك يُقال أن الفضول هو القلب النابض للمعرفة! فلولا الفضول لما تحرك الإنسان من إفريقيا وحاول استكشاف هذه الأرض وتجاوز فضوله لمعرفة الفضاء واسراره أو مواصلة ابتكاراته على الأرض حتى وصلت إلى تلفاز ثلاثي الأبعاد! لكن كيف يحدث هذا الفضول ؟ رغم أننا نتفق مع بعض الحيوانات في وجود فكرة الفضول أو إحساس الفضول يقول العلماء أن الفضول جزء أساسي مما نسميه مشاعر ؟ لكن هل هو كذلك وحسب ؟

لو أتفقنا على كون الفضول ناجما عن إدراك نقص المعرفة (العقل) عن كوني أعلم أن لدي النتف الصغيرة من الكعكة الكبيرة عن كوني لم أصل بعد “للفضيلة” التي يتحقق بها العلو والسمو والكمال! ولو نظرنا لبعض الحيوانات التي نتفق معها في وجود الفضول لرأينا أن مناط اهتمام هذا الحيوان وفضوله مقيد نوعا ما بفكرة البقاء، ففضول بعض الحيوانات كالقطط بالصيد، يرتبط كليا بالطعام على العكس تماما عند الإنسان الذي يُهلك نفسه وقد يضحي بها لأجل البحث، لأجل الفضول! 

الفرق الجوهري هنا بين الحيوان والإنسان رغم اتفاقنا في وجود الغرائز الحيوانية والعقل أن الإنسان يملك شعور دقيق وعميق جدا، شعور حسي رائع يدرك به أفكار مذهلة كالإيمان ويعمل به ولأجله بترويض غرائزه كالصيام. وشعور عقلي تحليلي هائل يجعل من الدماغ البشري المدهش أرضا له، مُدعّما بأفكار انسانية حرة كالسببية واللغة مقارنة بالحيوان ذو الشعور الضيق المحدود بالحاجات والحواس. هذا الشعور بشقيه الحسي و التحليلي هو المولد الرئيسي للعمليات التفكير والعقل!

فالعقل عندما يفكر يقوم بخلط نسب متفاوته مع كل فكرة من الشعور الحسي والشعور العقلي التحليلي ليخرج في النهاية بالفكرة! وهذا مانسميه نمطية التفكير أو اسلوب التفكير المتفرد لدى البشر. ومع كل فكرة أنت تقوم ببناء تسلسلي جديد وخلط جديد مختلف تماما في النسب بين الحس والتحليل لأن معرفتك تتزايد في كلا الطرفين ولا تتوقف كغيرك من الحيوان، الذي يجعل من كل فكرة تفكر فيها متفردة بحد ذاتها وبالتالي رقعة الجهل تتسع رغم زيادة المعرفة، لأنك ببساطة تقوم بتغذية الشعور بمعلومات جديدة وبالتالي تختلف ردة فعله مع كل فكرة!

.~¤§¦ كلما أدبني الدهـر أراني نقص عقلـي … وإذا ما ازددت علماً زادني علماً بجهلي ¦§¤~.

.المذهل هنا أن نمطية التفكير مختلفة تماما بين البشر انفسهم وذلك يرجع لإختلاف البيئة التربوية التي نشأ فيها الدماغ منذ الصغر حتى بين الإخوة هناك بيئة مختلفة كذلك، وجود أخ سابق يختلف تماما عن وجود اثنين وجود شخص قبل حرب أو بعدها أيضا مختلف في البيئة التربوية من حوله وهلم جرا! كل انسان في هذا الكون يحمل تاريخ خاص به، تاريخ من التجارب و الخبرات التي تصنع ذاته و طريقة تفكيره. 

إن امتلاك الإنسان لقوة العقل مكّنه من توسيع معلوماته ومعرفته إلى مالا نهاية ومن أجل هاتين المزيتين فإن إرادته بالطبع سوف تتجاوز الحدود الطبيعية الضيقة وتستمر في النمو من خلال إرادته الشعورية وعلى ضوء توجيهات العقل و إرشاداته إلى تشخيص النقص المعرفي الحاصل، ولذلك يستمر الإنسان في البحث عن كماله في البحث عن الجزء المعرفي الكبير المتبقي، فالفضول هو نتاج لتوسع مدارك العقل المستمر!

إن قدرة العقل والدماغ على التعلم مكنت هذا الإنسان من تعلم معارف استغرقت دهورا ليتم استنتاجها، مكنته في أيام من تعلم معادلة رياضية استغرقت عشرات السنين من المراقبة والتحليل ليتم فهمها ونشرها، مكنت هذا الإنسان من العيش على هذه الأرض والتكيف فيها حاملا معه خبرات متسلسلة منذ 10 آلاف سنة، لهذا كان الإنسان هو المخلوق الأحق والأجدر بالخلافة على هذه الأرض لقدرته العجيبة في النمو المعرفي المتسلسل بين اقرانه مستنيرا بنور العقل! الآن تفهم أكثر لماذا بدأ هذا الدين بكلمة إقرأ .. لتحقيق الخلافة القائمة على المعرفة المتسلسلة، فهل حققت أنت الغاية ؟ هل كانت أيامك سعي دؤوب لتحقيق معاني الخلافة الحقيقية ؟ 

إذا وفق هذا التصور حول العقل وعملية التفكير مالذي حدث لآدم عندما أكل من الشجرة؟ مالذي كان يدور في عقله!؟ وما وجه التشابه والإختلاف بين آدم العظيم وإبليس الرجيم ؟ وماهي العبرة الحقيقية من قصة آدم و إبليس ؟ 

كنت أود أن أقول للحديث بقية - وهو كذلك إن شاء الله - لكن ليس قريبا للأسف! .. انتهيت من كتابة هذا المقال منذ شهرين مضت تقريبا وتوقفت عن الكتابة لإنشغالي بأمور أخرى خلال تلك الشهرين توسعت الأفكار أكثر وأصبحت أهداف هذه السلسلة أعمق و أجمل و أكمل مما يستدعي رحلة بحث جديدة مختلفة كليا في الصياغة والأسلوب وربما حتى ترتيب الأفكار المنشورة .. للأسف أنا حتى لم ابدأ في ذكر الهدف فما قرأتموه في هذا المقال والمقال السابق مجرد مقدمة لم تكتمل وأفكار تأسيسية نبدأ منها للغاية والهدف. لكن لعل ذلك خير في نشرها الآن، مؤمن أن الكثير سيبحث وينقب عن المزيد عندها أنا أول من سيتفيد من هذا التلاقح الفكري البديع بيننا :) 

لن اتوقف في هذه المدونة إن شاء الله فالمهمة أكبر وأجل ولن تقف عند هذه السلسلة فحسب! لكن سأحاول قدر المستطاع كتابة تدوينات بسيطة بألطف وأسهل اسلوب مع الحفاظ على مفهوم الرؤى الجديدة والبُعد العميق فالهدف الأولي من كل هذا هو .. الإلهام. 

تحياتي

صراع الأشكال ~ الخليفة

صراع الأشكال

منذ وُجد الإنسان على الأرض وهو في سعي دؤوب للإجابة على السؤال الأوحد من أنا؟ ولماذا هنا؟ ثم ماذا هناك؟

بدأ الإنسان بشوق عميق تجاه المجهول، تجاه المعرفة، منقادا بالفضول بحثا عن كمال مأمول، منذ تفاحة آدم بداية صراع الأشكال. ذاك السعي الحثيث نحو التفرد و الكمال والذي أرخى سدوله على بني آدم من بعده بالفن والجمال بآهات مسطرة تحكي قصة النقص، لا تنتهي عن السؤال.


إن حياة الإنسان ملأى بالاسئلة، رغم سعار الحضارة والجري خلف لقمة الجسد، يبقى الإنسان معذب الروح أسيرا للسؤال والحيرة، والعجيب أنه لولا ذلك لهلك! فالفضول والسؤال عن الحقيقة رغبة في الكمال و الخلود كانت جزءً من الحركة العظمى لنهضة البشر على هذه الأرض ثقافيا وحتى حضاريا، وبها ولأجلها قد يهلكوا!

في الحقيقة إن الغرض الرئيسي من هذه السلسلة وربما المدونة بأكملها هو -محاولة- تبيان حقيقة الأشكال و كيف تنشأ وماهية الصراع بينها، ثم كيف تعامل الإسلام معها والأهم كيف فهمها وقدم لنا الحلول ليعم الأمان والإطمئنان في قلوب بني الإنسان متسقا مع الرقي والعمران. 

ولن أقول أن الإسلام هو التطبيق الوحيد الذي حاول التعامل مع الأشكال، بل كافة أديان البشر وفلسفاتهم حسنها وقبيحها قديمها وحديثها قد ادركت هذه الأشكال وحاولت خلق هذا السلام بطريقة أو بأخرى، ما سوف أقوم به هنا هو توضيح الرؤية والمنهجية الإسلامية، والتي أظن أنها لم توضح بعد كما يجب أن تكون أو بقيت حبيسة الكتب بعد تغير المسلمين عن إسلامهم.

ولأجل أن نحاول فهم الأشكال وكيف يتفاعل العقل البشري، قدم لنا القرآن لمحة عن تلك المفاهيم في قصة آدم عليه السلام و الملائكة ومن ثم معصية آدم ونزوله إلى الأرض، كل هذا لم يكن محض قصة درامية كما يظن البعض بل كانت رسالة سماوية بينه جليه واضحة لمن يتفكر ويعتبر، وكما قال سيد قطب القرآن كتاب دعوة، ودستور نظام، ومنهج حياة، لا كتاب رواية ولا تسلية ولا تاريخ. وفي سياق الدعوة يجيء بالقصص المختارة، بالقدر وبالطريقة التي تناسب الجو والسياق، وتحقق الجمال الفني الصادق الذي لا يعتمد على الخلق والتزويق ولكن يعتمد على إبداع العرض وقوة الحق وجمال الأداء.

وعلى ضوء هذه الإيضاحات لننظر في قصة آدم عليه السلام كما جاءت مع إشراقة سورة البقرة. وكما قلت ليس الغرض من الحديث هو ذات التأويل والتفسير العام، فلهذا أهله وخاصته، بل غايتي استقراؤها ومدارستها سويًا لنفهم ونعي تلك الرسالة الإلهية لبني البشر، لرواية قصتهم ليستلهموا منها العبر.

فلنعش لحظات مع قصة البشرية الأولى وما وراءها من إيحاءات أصيلة.

تأتي هذه الآيات بعد إستعراض موكب الحياة وإنعام الله على عباده وتسخير السماء والأرض في معرض آلاء الله على الناس فيقرر أن الله خلق كل ما فيها لهم، فهنا في هذا الجو تجيء قصة استخلاف آدم في الأرض.

الخليفة

إن تساؤل الملائكة بعد ذكر الخليفة - أيا كان معناه- دلالة واضحة على إدراك الملائكة لبعض صفات هذا الخليفة المنتظر عن علم إلهي أو تجربة سابقة لمخلوقات كانت على الأرض. ولكن تبقى ماهية هذه المخلوقات وقصتها مجهولة في النصوص الإسلامية، على عكس اساطير الفرس مثلا فقد زعموا أنه كان قبل الإنسان في الأرض جنس اسمه الطم والرم، وكان اليونان يعتقدون أن الأرض كانت معمورة بمخلوقات تدعى التيتان، وكما تتناقل بعض الرويات سُكنى الجن وفسادهم، وقد تأثر المفسرون بهذا أو ذاك.

لكن مايهم في الحقيقة أمر مختلف! نحن نؤمن أن الملائكة بطبيعتهم ( لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ) مسلوبي الإرادة والإختيار وبطبيعتهم المجبولة على الطاعة والخير كما قال محمد رشيد رضا بادروا إلى السؤال واستفهام الإستغراب و ( قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ) فيغفل بذلك عن تسبيحك وتقديسك ( ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك ) بلا غفلة ولا فتور؟ حيث أن هذا هو الغرض الأول الرئيسي من وجود المخلوقات؟!

لا شك أن هذا السؤال نشأ من فهم المعنى المراد من الخليفة وما يقتضيه من العلم غير المحدود والإرادة الحُرة، وكون هذا العلم المصرف للإرادة مدعاة للفساد والتنازع المفضي إلى سفك الدماء، لخروجه من دائرة السلطان الجبلي نحو الخير.

تحليل تساؤل الملائكة

ثم جاء الرد الإلهي ( إني أعلم ما لا تعلمون ) هنا رد توضيحي لعدم اكتمال ونقص مفهوم حرية الإختيار عند الملائكة الناجم عن خبراتهم السابقة، وتفرد هذا المخلوق عن تلك التجارب.

نفهم من الآية أن إشكال الملائكة في هذا الخليفة يقع في دائرة أن حريته قد تكون مدعاة للفساد! ورغم ذلك كان الرد الإلهي إني أعلم ما لا تعلمون. أي إن إدراككم لهذا المخلوق لم يكتمل بعد!

ويتجه العقل نحو تصور أن الآيات القادمة ستكون إثبات إلهي لقدرة هذا الخليفة - الخيرة - وكشف لجوانب أخرى من وجوده غير ( الفساد وسفك الدماء ) و قدرته على ( العبادة والتسبيح ) أراد الله أن يبين لمحمد صلى الله عليه وسلم ولبني إسرائيل وللملائكة من قبلهم أن قدرة آدم ليست مجردة في لون واحد أو عدة ألوان، فالأمر أعظم و أجل ولهذا .. علمه الأسماء.

الأسماء

إن المتدبر في مفهوم الأسماء الوارد في سياق القصة يرى حقا أن القضية ليست كما سطحها الكثيرون في أسماء مجردة للذوات كالجبال أو السماء. إن القضية من باب أولى كما ذكرت هي إثبات قوة هذا الخليفة وأنه وكما ظن الملائكة أداة شر فهو معول خير، و مُحقق للغاية من الإستخلاف والتدبير. فالإنسان هو الموجود الوحيد الذي استطاع بما أودع الله في خلقته أن يتصرف في مخلوقات الأرض بوجوه عظيمة لا تنتهي خلاف غيره من الحيوان. (هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا) 

قال ابن عاشور في تفسيره التحرير والتنوير ( وعلم آدم الأسماء كلها ) معطوف على قوله ( قال إني أعلم ما لا تعلمون ) عطف حكاية الدليل التفصيلي على حكاية الاستدلال الإجمالي الذي اقتضاه قوله إني أعلم ما لا تعلمون.

وهذا يعني أن بيان محل اختلاف آدم و جهل الملائكة به يكمن في عملية تعليم الأسماء

إذا ماهي هذه الأسماء من بُعد مختلف، وماهي مزية هذا الخليفة ؟

يفصل ابن عاشور في معنى الأسماء فيقول والأسماء جمع اسم وهو في اللغة لفظ يدل على معنى يفهمه ذهن السامع فيختص بالألفاظ سواء كان مدلولها ذاتا وهو الأصل الأول، أو صفة أو فعلا فيما طرأ على البشر الاحتياج إليه في استعانة بعضهم ببعض ، فحصل من ذلك ألفاظ مفردة أو مركبة وذلك هو معنى الاسم عرفا إذ لم يقع نقل. فما قيل إن الاسم يطلق على ما يدل على الشيء سواء كان لفظه أو صفته أو فعله توهم في اللغة.

فما يقصده هنا أن القضية ليست أسماء ذوات مجردة بل حتى المعاني والصفات، ومايدور في الصدور!

إن تعليم آدم الأسماء وإظهار فضيلته بقبوله لهذا التعليم دون الملائكة جعله الله حجة على قوله لهم إني أعلم ما لا تعلمون وعلامة فارقة لهذا المخلوق و إستحقاقه للخلافة كما ذكرت، فكيف ذلك ؟

المعرفة

في البداية يوضح الله تعالى أن هذا الخليفة المخلوق “آدم” لن يكتمل وجوده واستحقاقه للفضل بدون هذا “العلم" وأيا ما كانت كيفية التعليم فقد كان سببا لتفضيل الإنسان على بقية أنواع جنسه من المخلوقات بقوة النطق والبيان عما يختلج الوجدان (خلق الإنسان، علمه البيان) ولهذا سمى البعض الإنسان حيوانا ناطقا.

وكما يقول آين تترسل رئيس قسم البيولوجي في المتحف البيولوجي الأمريكي لقد تعلم الإنسان الترميز بأن أطلق على كل شيء اسما فصار إنسانا.

ومفهوم الأسماء الذي نورد هنا كما يقول بعض المفسرين هو أيضا سببٌ لتفاضل أفراد الإنسان بعضهم على بعض بما ينشأ عن النطق من استفادة المجهول من المعلوم وهو مبدأ العلوم، فالإنسان لما خلق ناطقا (بالأسماء) معبرا عما في ضميره فقد خلق مدركا أي عالما (بمعانيها) وقد خلق مُعلِما (استكمالا للتعليم والتبليغ)

وهذا أصل نشأة العلوم والقوانين وتفاريعها لأنك إذا نظرت إلى المعارف كلها وجدتها وضع أسماء لمسميات وتعريف معاني تلك الأسماء وتحديدها لتسهيل إيصال ما يحصل في الذهن إلى ذهن الغير.

ونجد ترابط قوي جدا هنا بين الأسماء و النطق وبالتالي اللغة، والخلاف قائم على أشده في قضية نشأة اللغة و وحدانيتها الأولية بين المسلمين و حتى بين غير المسلمين. ولكن كما قال المفسر ابن عاشور أنه ليس في هذه الآية دليل على أن اللغات توقيفية، أي لقنها الله تعالى البشر على لسان آدم ولا على عدم ذلك. لأن طريقة التعليم في قوله تعالى وعلم آدم الأسماء مجملة محتملة لكيفيات مختلف في تأويلها وعلم ماهيتها.

المهم في هذه النقطة أن أفضلية هذا الخليفة آدم موقوفة على العلم التي هي دلالة واضحة على مزية العقل.

ولأجل تحقيق تزايد العلم وتباين العقول وكون لهذا الخليفة إرادة حُرة مطلقة فقد سُلب منه السلوك الفطري تقريبا ( والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا ) و إن كان ذلك لا يعني أنه يولد بدون هذا السلوك. فكما يقول الطبيب الفرنسي موريس بوكاي في كتابة أصل الإنسان، أن الإنسان عند ولادته، يكون لديه نمط من أنماط السلوك الفطري الذي يتمثل في المص (الرضاعة) وهو نمط حيوي لتغذية الوليد و ضمان بقائه. فهنا  لضمان نمو هذا المخلوق وحتى يؤدي رسالته أقام الله فيه هذا السلوك الفطري.


ولكن ورغم أن الإنسان مخلوق ذو قدمين بطبيعته، فإنه في حاجة إلى أن يتعلم كيف يمشي في الوضع الذي يتكيف معه تكوينه. وعلى النقيض من ذلك نجد أن سلوكه لا يتحدد إطلاقا بأي من جيناته (موروثاته) وهي نقطة يختلف فيها عن الحيوان ذي السلوك الفطري والذي يتأثر فقط بعوامل مرتبطة بالظروف.

فقد قصر الله مسألة العلم كما قال ( لا تعلمون شيئا ) بالظروف المجتمعية حول هذا الإنسان وعززه بسبل التحفيز. فوهب هذا الخليفة هذا الدماغ العجيب المذهل الذي يدفعه دائما إلى طلب العلم فكما يقرر مانفريد شبيتسر عالم المخ وقضايا التعلم عن أحد انظمة تعلم الدماغ، أن لدى الإنسان نظام مسؤول عن الأشياء الإيجابية يخبرنا عندما يحدث شيء افضل من المتوقع ( البحث عن المعرفة ) و إذ يحدث ذلك يتدخل هذا النظام ويعمل على تحسين التعلم، ثم يقوم الدماغ بمكافأة نفسه عندما يتم المهمة بفرز هرمون يدعى دوبامين ينشر شعورا بالرضى في الجسم، ومع ذلك يبدأ الدماغ تدريجيا بفهم آلية كسب هذا الشعور ليحاول مجددا البحث عنه بالمعرفة وتلقي العلم.

فقد خلق الله الدماغ في هذا الخليفة ليتكيف تماما مع مهمته ومزيته بين الخلائق وأن ( الأسماء ) ليست محض تجربة أختص بها آدم بل هي دستور إلهي وناموس كوني في أعماق وجوده وبنِيه من بعده، وضمن الله سبحانه استمرار هذه المزية بتيسير السبل و الوسائل اللاإرادية فإنتشار هرمون الدوبامين مثلا يدفعنا للمزيد من الإكتشافات ويجعلنا متنبهين منذ الصغر لما يجري حولنا فالدماغ بفطرته يدفعنا لإكتساب المعرفة و حتى قابليته للتغيير والتجديد في خلاياه العصبية والتكيف مع المهام والوظائف الجديدة. فوظيفة مهمة في مجتمع اليوم كالقراءة والكتابة لا تعد ابدأ سلوكا فطريا بل هي نتاج للإدراك والتعلم، ويتغير لأجلها الدماغ في تشكيله.

ولهذا أراد الله بيان أن مقياس قوة العقل و آدم عليه السلام هي في ذات العقل وقدرته على التقييم والتحليل و الإستنتاج ومن ثم الإختيار وليست النتائج المجردة. وكل هذا يتم في تطور مستمر. وهذا محل اختلافنا عن الملائكة فهم ( عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون )

ولذلك نجد هنا أن الله جل في علاه بيّن للملائكة في هذه الآيات تحديدا أن مزية هذا الخليفة ليست مجردة في فعل الخير أو الشر بل في إدراكه للأمرين بالمعرفة و تعلم الأسماء

والآن مع ملخص توضيحي مختصر لما مررنا به في هذا المقال 

رغم كل هذا الجمال وهذه الرفعة والكمال، والهبات الإلهية الروحية وحتى الحيوية لترقّي بني آدم في استكشاف آفاق الكون و إعمار الأرض فإن هذه المزية ذاتها ( العقل ) لها ثغراتها القاتلة والتي قد سطرها لنا القرآن في بقية القصة .. فللحديث بقية إن شاء الله.

مدخل ~ Think Tank!

لربما تساءلت عن معنى اسم المدونة

هو مصطلح يعبر عن منظمات أو مؤسسات فكرية تقوم على جلب الباحثين أو المُفكرين للتباحث والنقاش حول مختلف  المواضيع سياسية، إجتماعية، إقتصادية .. إلخ تقوم هذه المنظمات بدراسة شاملة للموضوع وتقديم المشورة -غالبا للحكومات- بحكمها عادةً غير ربحية. يُحب العرب ترجمة الكلمة إلى بيت الخبرة أو خلايا التفكير، ولك أن تتأمل في روعة المعنى وعُمقه.

إستخدامي لهذا المصطلح رغم اختلاف التطبيق، هو لأنني بالفعل أود الوصول لمراحل نضج عملية التفكير في خلايا التفكير، أود الوصول إلى اسلوب واعي في التعاطي مع الأفكار والمُدخلات، إلى تطويرها أو حتى ولادتها ضمن منظومة محكمة تؤدي في النهاية إلى حلول أو نتائج حقيقية!

حديثي هنا واسع المعالم، إبحار في مكامن الأفكار، ومحاولة جادة لفك الأسرار، لفهم الأمور من منظور مختلف لتقديم رؤى جديدة أو حتى تطويرها. لن أقول أني الحق أو غيره أنا فقط أترجم أفكاري الآن إلى حروف منسوجة متأكد انك ستلاحظ تطورها البلاغي و العلمي مع الأيام. هنا ولمرة أخرى استخدمت مصطلح خلايا التفكير لأتنقل من عقل لآخر، لأكون الأشخاص في العقل.

ما أقدمت على الكتابة في الموقع هنا لأشكو الحال أو لأترنح في عالم الضياع وتيه السؤال، أو حتى لأكثر فيه الجدال. ما أكتبه هنا هو حكايا الروح و نتاج عمليات تفكير لن تنتهي وهذا يعني قابليتها للتطوير حتى بعد الطرح. قد تغلب الروحانية على كتاباتي واختياراتي فقط لأني أظن (في الرؤية الحالية) أننا في معمعة الحضارة أشغلنا الوهم عن إدراك الأهم، لن نصل إلى الوعي بالجري السريع خلف كل مثير، هنا وقفات تبحث عن الحكمة، وفقط الحكمة.

يأتي السؤال لماذا Tumbler ؟

في الحقيقة هناك ثلاثة أسباب دعتني للخروج عن أجواء تويتر و المدونة في نفس الوقت

أولها أن طبيعة المتابعين في تويتر والمدونة غالبا لا تتقبل هذه المواضيع، المقصد أن الأغلبية يرون في عبدالله سعيد المصمم الرسام الضحاك فقط! حاولت مرارا كسر هذا القالب و إظهار الجوانب الأخرى من عبدالله، لم اجد ذاك القبول و أصر الكثير أني قد تغيرت.

الثانية أن الكتابة حول هذه المواضيع في تويتر أمر متعب ومزعج جدا في قيد الـ 140 حرف

الثالثة والأهم، أنني في الحقيقة لا أتوقف عن التفكير في كل مناحي الحياة، لكن بشكل عشوائي جدا و لحظي.

في تويتر وخصوصا في هذه المواضيع (التي أود مُدارستها وأياكم هنا) أنا حرفيا أفكر بصوت عالي! لأني أكتب و أفكر في نفس الوقت كما قلت، الذي قد يجعل النقاش مع الأصدقاء أمر ممتع جدا حيث نبلور أفكارنا ونلقحها سويا لكنه مزعج جدا لمن يريد أن يستفيد ويرى الفكرة مكتملة.

لذلك أحببت كما قلت أن أتبنى فكرة خلية التفكير، حيث أطرح الفكرة مع ذاتي وأتدارسها وأحللها ثم أُترجم أحرف الروح إلى لغة أرضية بشكل متسق ومفهوم.

في نفس الوقت، أحب أن أنبه أنني مازلت ذاك الرجل المجنون الذي تعرِفون. كل مافي الأمر أن هذه المدونة تحتمل طابع أكثر جدية نظرا لطبيعة المواضيع المطروحة، لا أكثر ولا أقل.

للمزيد حولي زر صفحة من أنا في مدونتي الشخصية http://bit.ly/r9thO0