روح المعاني ~ البيان
![]()

كان حديثنا في المقال السابق محاولة لدراسة حقيقة اللفظ وعُمق المعاني، تعرفنا سويا على مركزية المعنى وأهمية اللفظ، أدركنا أن الألفاظ وإن ترادفت في الظاهر هي في جوهرها مختلفة بشخصيتها واشتقاق معناها. وتعرفنا أكثر على قوة البيان في اللغة وعمق أثره وتأثيره في النفس، بقدرته على ايقاظ المعاني الثواني الدفينة خلف تجارب الحياة وتسامي الروح، إلا أننا وفي بحثنا عن البيان حاولنا فهم عجزنا عنه، هل هو مجرد عوز لغزارة الألفاظ ودلالاتها؟ هل هو جهل بقواعد البيان؟ هل هو جهل بقواعد اللغة؟ هل هو فقط عدم مخالطة أدبيات اللغة العربية وبالتالي عدم تلقي الذوق البياني فيها؟ رُبما! لكنني وكما كنت أبحث عن جوهر الألفاظ ومصدرها وهي المعاني، سوف أحاول البدء بالبحث عن جوهر البيان ولُبابه.
لكن قبل البحث عن جوهر البيان، لماذا هذا الإهتمام بالبيان؟ هل هذا درس في اللغة العربية؟ وماعلاقة البيان بالإنسان والقرآن؟

تستفتح عروس القرآن، سورة الرحمن، بثلاث قضايا رئيسية، تعليم القرآن و خلق الإنسان و تعليم الإنسان البيان! فما علاقة هذه الثلاثة ببعضها خصوصا استخدام لفظ “علّم” مع القرآن والبيان؟ نحن نعلم أن القرآن نزل للإنسان بالآيات المُبينة الحكيمة لإرشاد و استقامة حياة الإنسان في الأرض طريقا له إلى السماء، وكما يردد القرآن دائما هو “الكتاب المُبين”! في الغالب لو تتبعت افتتاحية سور القرآن ستجد هذه القضية تتكرر مرة تلو مرة إن لم تكن بنفس اللفظ “مُبين” ستكون بنفس المعنى العام، ربما يكون لهذا اتصالا مباشرا من أن هذا القرآن أُنزل للإنسان وهذا الإنسان مخصوص بالبيان! بمعنى آخر أن القرآن ومزيته “البيان” جاءت لتتوافق مع نفس مزية الإنسان “البيان” وبالتالي لا يكون هذا القرآن مؤثرا بآياته البينة المُبينة إن كان الإنسان قد فقد مزيته الحقيقية بين الخلائق .. البيان! ببساطة أكثر، إذا فقدت البيان فقد فقدت صلتك بالقرآن وعندها تكون قد فقدت صلتك برب الأكوان.

لا تقلق .. من رحمة الله أنه ربط تعليم القرآن باسمه المتفرد والخاص، مطلق رحمة الخالق لخلقه وعباده “الرحمن”! في الحقيقة سياق الآيات و سبق صفة الرحمن يجعل من قضية قابلية تعليم القرآن والبيان قضية فطرية لدى الإنسان، وآيات سورة الرحمن هي آيات تدبير الخالق ونعمائه، وسننه الكونية، وكما يشير المفسر ابن عاشور في تفسير آية (علمه البيان) أنها إشارة لقصة آدم كذلك التي تأملناها سويا في مقال الخليفة وعلاقة آدم بقضية تعليم الأسماء (الألفاظ ومنها المعاني = البيان) ومزيته بين الخلائق ودلالة مفاهيمها على ملَكَة العقل (أنصح بقراءة المقال السابق حتى تكتمل الصورة)

ما أقصده أن بيان الإنسان الذي يتحدث عنه القرآن، يختلف في عمقه وعمومه عن البيان الذي تتحدث عنه قواعد اللغة العربية بتعقيداتها، وإن كان بينهما ترابط وثيق. البيان في هذه الآيات كما أراه، هو الوجود الإنساني المُعبر، هو الوجود الفطري الوجداني، إن رسائل القرآن وآياته المُبينة لم تأتي قاصدةً إعجاز المنطق اللغوي الأدبي، بل جاءت لتستنهض القلب العاقل، وهناك يكمن سر البيان القرآني، كل المشكلة أننا في معمعة هذه الحياة بدأنا نفقد مع مدركاتنا اللغوية معنى الإنسان العاقل المتفكر الذي يخاطبه القرآن فينا، وتهنا بذلك عن الوصول لأبواب السماء عبر الكتاب المنظور والكتاب المسطور .. البحث عن البيان هو البحث عن الإنسان.

الإنسان كائن متعادل مادِّيّاً وروحيّاً، وهذا سر حياته. توفيق الحكيم
لعدة سنوات درس البروفيسور و عالم الآثار ستيف مايثن الأدوات التي استخدمها البشر الأوائل، محاولًا الوصول إلى نظرة ثاقبة في كيفية عمل عقولهم وفقا للمراحل الزمنية، ويبدو على حد قوله أن البشر الأوائل (إنسان نيندرتال - 350 ألف سنة ق.م) كانوا ضعيفي الخيال بغرابة لتكرار صناعة نفس أدوات الحجارة لمئات السنين، وهو بالأحرى سلوك غريب وشاذ بالنظر إليه من منظور الإنسان اليوم، لأننا نعتقد أن القدرة على صناعة أدوات تتطلب إتقانا ودقة عالية، يسير جنبا إلى جنب مع القدرة على اختراع أنواع جديدة من الأدوات وعلى الإبتكار ومواصلة تطوير التحسينات التقنية.
يعتقد ستيف أن نفس هذه الرؤية الضيقة التي منعت البشر الأوائل من صناعة الآلات ربما تكون أيضا قيدت قدراتهم اللغوية! فيقول: أنا أظن على نحو ما أنه كان للبشر الأوائل كلمات مثل كلمة وردة واتوقع بأنه كان لديهم كلمات لأطفالهم كذلك، لكني لا أعتقد أبدا أن الإنسان البدائي يمكن أن يُظهر تعبير مثل ابنتي جميلة كالوردة! وهي إشارة إلى القدرة البيانية في التعبير عند الإنسان الحديث، بمعنى أنه ومن خلال هذا التصور الإنسان القديم كان حيوان كأي حيوان آخر حبيس نمط سلوكي واحد لم يتغير لمئات السنين في صناعة الأدوات رغم تفوقه على أقرانه من الحيوانات.
ولكن فجأة مع وصول الإنسان الحديث ظهرت أنواع جديدة من الأدوات! للمرة الأولى يحاول هؤلاء البشر استخدام العظام والقرون وكذلك الحجارة مع حرفية تامة في نحتها أو نقشها و تغييرها عن هيئتها الأولى، وهذا يُظهر تحول كبير من تلك الرؤية الضيقة في التفكير إلى أفق واسع متغير، بتطوير وتطبيق هذه المهارات التقنية والتي كانت تُستخدم لإنتاج الأخشاب والحجارة على مواد من نوع جديد بأفكار خيالية مبدعة وخلاقة. وهم بذلك يُحوِلون ما كان جزءً من حيوان كالعظام إلى شيء مختلف جوهرا ومعنى. هذه النهضة الإنتقالية المفاجئة في صناعة الأدوات كانت مرحلة تغير حاسم ومُبهَم في القدرات العقلية لدى الإنسان وفي أدواته ولغته، كانت شغف مستمر للتجديد والإبداع لإبراز شخصية الإنسان في كل ماحوله من صناعة الأداة حتى تمثال فينوس ولندورف أو رسومات كهف لاسكو وحتى صناعة الحاسوب اليوم.

هذا التصور لم يكتفي بتحديد نموذج اللغة أو إتقان صناعة الأدوات بل وصل بنا إلى دراسة منطق التفكير المختلف قطعا بين نمط محدد متكرر ونمط حُر رغم أنه يشترك مع الأول في جوانب المهارات التقنية.
لنأخذ على سبيل المثال تناولت اطروحة البروفيسور مسألتان، صناعة الأداة و اسلوب اللغة. في صناعة الأدوات كان الإنسان القديم اشبه بالآلة متقن لعمله لكنه أسير ومُكرر، على الطرف المقابل الإنسان الحديث، متقن لعمله لكنه مبدع متجدد.

على الرغم من ذلك تعاملنا مع اللغة اليوم (وربما الأدوات كذلك) يشبه تعامل الإنسان القديم، تعامل ظاهري مُقلِد ومكرَّر، يهدف ويقصد للتواصل المجرد والقولبة المعرفية وحسب (وهذا جانب من الرؤية المادية للإنسان اليوم) بينما اللغة عند الإنسان الحديث عرف البروفيسور أبرز ملامحها بالقدرة الفنية الهادفة فيها “البيان” بمعنى أن الإنسان الحديث لم يكتفي بالتسمية “ابنتي” بل أضاف لها بُعدا معنويا مؤثرا جديد “جميلة كالوردة” فأصبح لدى الإنسان الآن وجود فني حُر! صناعة الأداة واللغة لم تعد حاجة نفعيّة وحسب للإنسان الحديث بل شخصية معنوية!
![]()

إذا ماهو البيان الذي يحكيه القرآن؟ والذي نرى أثره في الإنسان الحديث، الذي تلازم ظهوره (أي البيان) ظهور قدرات عقلية فذة وإحساس فني عميق لدى الإنسان؟! حتى نبدأ بتشريح البيان يجب أن نبدأ بفهم مكمن علاقته بنا كبشر! تدور منذ القدم فكرة إزدواجية الإنسان بين الروح والمادة، وعلى هذا قامت الفلسفات والرؤى لمحاولة الإجابة عن السؤال الأزلي من أنا؟ ولماذا هنا؟ بالبحث عن تعريف لماهية الإنسان ومدركاته المعرفية، تارة بمحاولة تفكيك الإنسان من هذه الإزدواجية وإنكارها والنظر من رؤية محددة وتارة أخرى بمحاولة توافقية إضطرارية كليلة أحيانا كثيرة، وربما يعبر عن ذلك اليوم هذا الإنشطار الحاصل بين رؤية الفن والمذاهب الروحانية للإنسان وبين رؤية العلم المادي له كذلك. ما يقدمه البيان أو اللغة هو مزج بديع يشابه تماما كائنية الإنسان على حقيقته، بين الوجود الروحي المعنوي والأثر المادي الظاهر كشكل لفظ صوتي ومكتوب، حقيقة أن الكلمات قوالب لتلك المعاني الحرة الدفينة يشبه تماما محاولة الفنان للتعبير عن معانيه الروحية النفسية على شكل لوحة فنية، وحقيقة أن الألفاظ منضبطة محددة ومتوافقة يشبه تماما نظرة العلم ومساعيه للبحث والتعامل مع المتماثل، المتجانس و الساكن الدائم. بمعنى آخر أن اللغة والبيان لدى الإنسان هي إنعكاسات حقيقة وجوده، وليست محض مَلَكة يتميز بها الإنسان. هي قدرة فنية فذة، كما هي قدرة علمية منضبطة.

هنا بدأ الإضطراب عند كفار قريش حول تحديد هذا القرآن ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم بين الشعر (الفن) وبين السحر (العلم الغيبي) القرآن يستخدم اسلوب بياني فني مذهل، ومن هذا ما جاء عن الوليد بن المغيرة أحد صناديد قريش، وكان قد استمع إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يتلو شيئا من القرآن، فقال: والله إن له لطلاوة، وإن عليه لحلاوة، وأسفله لمغدق، وأعلاه مثمر، وما يقول هذا بشر، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله. وهذا الذي دعاهم للإدعاء أن القرآن محض شعر، لهذه القدرة الفنية في التعبير وهم في حيرتهم كيف يواجهون هذا القول الذي لا يعرفون له نظيرا، والذي يدخل إلى قلوب الناس، ويهز مشاعرهم! لكن رغم ذلك، ينفي الله تعالى في القرآن أن محمدا شاعر، أو أن هذا القرآن شعر، فيقول واصفا المنهج الفني في الشعر (والشعراء يتبعهم الغاوون* ألم تر أنهم في كل واد يهيمون* وأنهم يقولون ما لا يفعلون)
يقول سيد قطب، فجاء القرآن يبين لهم في هذه السورة أن منهج محمد ومنهج القرآن غير منهج الشعراء ومنهج الشعر أصلا. فإن هذا القرآن يستقيم على نهج واضح، ويدعو إلى غاية محددة، ويسير في طريق مستقيم إلى هذه الغاية. والرسول لا يقول اليوم قولا ينقضه غدا، ولا يتبع أهواء وانفعالات متقلبة، إنما يصر على دعوة ويثبت على عقيدة و يدأب على منهج لا عوج فيه. والشعراء ليسوا كذلك. الشعراء أسرى الانفعالات والعواطف المتقلبة. تتحكم فيهم مشاعرهم وتقودهم إلى التعبير عنها كيفما كانت ويرون الأمر الواحد في لحظة أسود وفي لحظة أبيض. يرضون فيقولون قولا، ويسخطون فيقولون قولا آخر. ثم هم آصحاب أمزجة لا تثبت على حال! “نشوء جديد على الدوام” كما يقول جون كاسو عن الفن.
يقول محمد ياسين حسن، عندما دعا القرآن الكريم الناس إلى التأمل في الطبيعة، لم تكن دعوته هذه تنصب على الجانب التجريبي العلمي من أجل استغلال كنوز الأرض والطبيعة وإمكاناتها فحسب. وهو ما يهدف العلم إليه، بل رافق هذه الدعوة توجيه إلى الجانب الإنفعالي الجمالي من أجل تنمية وتهذيب الإحساس البشري ورفعه إلى الدرجة التي يستحقها الإنسان، بكونه مخلوقا حساسا وهو ما يهدف الفن إليه.
إذا القرآن ليس مادةَ فنية وحسب كما نرى من روعة بيانه ولا هو حتى مادة علمية نفعيّة مجردة، بل مزيج موجّه متفرد في تأثيره وعام في رسالته، وهنا تكمن قوته البيانية وقوة البيان ذاته، في كونه قادرا على الوصول للبُعد الروحي في الإنسان الذي يهدف إليه الفن والأديان عموما، والبُعد العلمي والإقرار بالوجود المادي وتنميته الذي يهدف إليه العلم الحديث .. هذه الرؤية، رؤية القرآن وكائنية البيان هي نفسها لو تأملت تجانس لإزدواجية الإنسان!

![]()

إن هذا القرآن لا يمنح كنوزه إلا لمن يُقبل عليه بهذه الروح، روح المعرفة المنشئة للعمل. سيد قطب
إن ضعف هذا الأثر الذي يجتاحنا اليوم تجاه القرآن قد يكون سببه أننا نحدد السياق المعرفي مسبقا لتلقي رسائل القرآن (بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم بغير علم فمن يهدي من أضل الله وما لهم من ناصرين) نقرأ القرآن إما بلغة المادة أو بلغة الفن أو بمعنى آخر نبحث عن المنطق الإعجازي العلمي في القرآن أو عن القصص والتصورات الأدبية اللغوية الجمالية، نحاول جاهدين تفكيك معالم هذا القرآن وتناولها مجزأة، ولم نحاول أن نفهم بعد، ماهو الإنسان الذي يخاطبه القرآن فينا، وماهي دعوة القرآن لإنسانه، أو بالأحرى أعمانا الكسل عن تدبر رسائله، فتعاملنا مع معانيه بسطحية لم تُخالج شغاف قلوبنا بعد، نحن وللأسف قمنا بشطر الإعجاز الحقيقي لهذا القرآن إلى نفس المنهجية الكارثية التي يقوم بها الإنسان منذ الأزل، عزل وتقييد لزوايا الرؤية وحصرها في خيار واحد، عقل أو عاطفة، علم أو فن .. وهلم جرا لكل هذا!
رسائل القرآن لن يصل تأثيرها بدون الروح المُفكرة المتأملة الفنية الهادفة، بدون القلب القرآني العاقل، بدون ذاك المنهج الوسطي الذي يدعوا إليه، بدون ذاك المزيج الفريد الذي يحكي قصتك، بين أحرفه وكلماته، مخطئ من يظن أن إعجاز القرآن محدد في بلاغته وجمال بيانه الفني وحسب، أو أن الإعجاز القرآني محدد بسبقه للفت النظر العلمي في الأكوان وخلق الإنسان من دون بقية الأديان، ورغم أننا ندعي وحدة الرؤية ومايدفعنا للفصل إلى البحث والإيضاح إلا أننا قد نمارس هذا الفصل في النظر والأثر.
ولو تأملت مجددا في آيات القرآن ورسائلها كلها تحفيز و دعوة للعقول لكي تتفكر وتتأمل، في جميع مواضيعه، القرآن يعتمد في وصول أثره بتكامل دائرة البيان في التأثير على قلبك، في العمل الحقيقي، وهذا لن يحصل ابدا بالقراءة العمياء عن سبر أغوار المعاني، البيان الذي يدعو إليه القرآن هو علامة الإنسان بنور عقله وضيائه (إن في ذلك لعبرة لأولي الألباب) (إن في ذلك لآيات للمتوسمين) (إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون) (كذلك نفصل الآيات لقوم يعقلون) القرآن لا ينفك عن ربط رسالاته وآياته خصوصا المصيرية منها بقدرة الإنسان المتفردة “التفكر” (وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون) والبيان ماهو إلا بداية ونهاية سلسلة المعرفة والتفكر وأصالة الروح، ولذلك اهتم علماء المسلمين باللغة العربية، ليس من حيث كونها إرثا ثقافي، بل لأنها مفاتيح الإدراك العقلي للعلم القرآني ولأي علم كان (من حيث كونها لغة وبيان). فكما يقول سهل بن هارون “العقل رائد الرُّوح، والعلمُ رائدُ العقل، والبيان تَرجمان العلم” وقالوا “حياة العلم البيان” وقال ابن التوأم: “الروح عماد البدن، والعلم عماد الروح، والبيان عماد العلم”
التفكر لم يكن ابدا محض عبادة كما يصفه العقاد، إنما هو رمزية إنسانية الإنسان في كونه ذا بيان، و وسيلة تدبر القرآن ومعراج القلوب إلى السماء، بل هو بنفسه دليلنا إلى ذي الجلال!


لو عُدنا وقرأنا سورة الرحمن الآن مالذي سنجده؟ بدأت سورة الرحمن كما قلت بثلاث مواضيع رئيسية القرآن والإنسان والبيان، ابتدأ الرحمن السورة والنِعم بالبيان، لأنه وكما بينّا سابقا أجلُّ نِعَم الإنسان، فالبيان ترجمة للفكر نتاج العقل، ولم يقل علماء الإسلام أن العقل مدار التكليف عبثا، فهو العُدة والعتاد و آلة إدراك رحلة الأكوان في سورة الرحمن، وهو وحده من سيخضع ويستسلم لـ(فبأي آلاء ربكما تكذبان) سورة الرحمن، رحلة كونية وتحدي شديد للإنسان والجان، يدفع العقل ليتأمل ويتفكر ويبحث ويُنقب، في كل موقف، في كل آية، إنها إعلان عام في ساحة الوجود الكبير كما يقول سيد قطب، وإعلام بآلاء الله الباهرة الظاهرة، في جميل صنعه، وإبداع خلقه، وفي فيض نعمائه، وفي تدبيره للوجود وما فيه، وتوجه الخلائق كلها إلى وجهه الكريم. وحتى تدرك ذلك كله يجب أن يتحقق أصلُ البيان، ومزية خلقِ الإنسان!
ولو قرأت سورة القمر التي تسبق سورة الرحمن مباشرة، سترى أن الله يسرد معجزات وأسباب هلاك الأمم السابقة، ويكرر بعد كل ذكرى (ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر) هي إشارة لهذه النعمة الحقيقية لهذه الأمة، و دعوة هادئة للقلب الإنساني، إلى التذكر والتدبر والتعقّل، هي فرصة لأن يُعمل عقله اليوم ويتحقق الطريق. هذه هي رسالة القرآن رسالة التفكر، رسالة العمل، رسالة البيان! فالقرآن بذلك معين لا ينضب، ورسالة عالمية في منهجه، وسبيل إدراك دلائله، وإدراك معانيها.
يقول ابن عاشور في تفسير هذه الآية، وهذا اليسر يحصل من جانب الألفاظ وجانب المعاني. فأما من جانب الألفاظ فذلك بكونها في أعلى درجات فصاحة الكلمات وفصاحة التراكيب، أي فصاحة الكلام، وانتظام مجموعها، بحيث يخف حفظها على الألسنة. وأما من جانب المعاني فبوضوح انتزاعها من التراكيب ووفرة ما تحتوي عليه التراكيب منها من مغازي الغرض المسوقة هي له. وبتولّد معان من معان أُخر كلما كرر المتدبر تدبره في فهمها. (توسع معرفي)
ويتأتى ذلك بتأليف نظم القرآن بلغة هي أفصح لغات البشر، وأسمح ألفاظا وتراكيب، بوفرة المعاني وبكون تراكيبه أقصى ما تسمح به تلك اللغة، فهو خيار من خيار من خيار. قال تعالى بلسان عربي مبين .
ثم يكون المتلقون له، أمة هي أذكى الأمم عقولا وأسرعها أفهاما وأشدها وعيا لما تسمعه، وأطولها تذكرا له. دون نسيان، وهي على تفاوتهم في هذه الخلال تفاوتا اقتضته سنة الكون لا يناكد حالهم في هذا التفاوت ما أراده الله من تيسيره للذكر، و إنه إذا اجتمع أصحاب الأفهام على مدارسته وتدبره بدت لمجموعهم معان لا يحصيها الواحد منهم وحده. وقد فرض الله على علماء القرآن تبيينه تصريحا كقوله لتبين للناس ما نزل إليهم) وتعريضا كقوله (وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس) فإن هذه الأمة أجدر بهذا الميثاق. ميثاق( العلم، ميثاق المعرفة. رحلة إعجاز القرآن إن بدأت في قلبك فلن تنتهي، وإنها لا تعمى الابصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور.

أخيرا وفق هذه الرؤية حول تناغم رسالة القرآن والإنسان والبيان، وإشارات التفكر الفنان، والتي سنستفيض في بيانها لاحقا ونتأمل معا روائع القرآن، سنبدأ في المقال القادم إن شاء الله بسبر أغوار المعاني وتأمل دقيق ألفاظ القرآن ومحاولة تشخيص معالم الخلل في رحلة المعاني إلى قلوبنا العاقلة كما يصفها القرآن. وماهي تلك القلوب المتفكرة التي تمثل هويتنا الإنسانية في القرآن؟! حتى ذلكم الحين انصح بقراءة تفسير سورة الرحمن لسيد قطب حتى نتذوق سويا نموذج لمعاني التفكر القرآني البياني.
أعتذر بشدة عن الإطالة، أعدت كتابة هذا المقال 3 مرات حتى اختصر أفكاره ورغم ذلك أضطررت إلى تقسيمه إلى مقالين. اتمنى أيضا قراءة مقال الخليفة و مقال الفضول، بشكل عجيب وغريب وجدت تكاملا في الأفكار، رغم اني لم أقصد هذا البته، فمقصد وغاية موضوع صراع الأشكال مختلفة تماما عن غاية موضوع روح المعاني! لكن عموما ربما أقوم عندما أنتهي من هذا الموضوع بإعادة صياغة للمقالين السابقين بحيث تكون موضوعا واحد، متصل مع بقية المقالات في روح المعاني إن شاء الله. متأسف مرة أخرى.
































